الشهيد الثاني
51
حقائق الإيمان
فأخبروا عن أنفسهم بالإيمان وهم من أهل اللسان ، مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان ، لنفيه عنهم بقوله تعالى " قل لم تؤمنوا " . وإثبات الاعتراف بقوله تعالى " ولكن قولوا أسلمنا " الدال على كونه إقرارا بالشهادتين ، وقد سموه إيمانا بحسب عرفهم ، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الإيمان في عرف الشرع . إن قلت : يحتمل أن يكون ما أدعوه من الإيمان هو الشرعي ، حيث سمعوا أن الشارع كلفهم بالإيمان ، فيكون المنفي عنهم هو ما ادعوا ثبوته لهم ، فلم يبق في الآية دلالة على أنهم أرادوا اللغوي . قلت : الظاهر أنه في ذلك الوقت لم تكن الحقائق الشرعية متقررة عندهم ، لبعدهم عن مدارك الشرعيات ، فلا يكون المخبر عنه إلا ما يسمونه إيمانا عندهم ، وقوله تعالى " آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ( 1 ) " وقوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ( 2 ) " . وجه الدلالة في هذه الآيات أن الإيمان في اللغة : التصديق ، وقد وقع في الأخبار عنهم أنهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم ، فيلزم صحة إطلاق التصديق على الاقرار باللسان وإن لم يوافقه الجنان . وعلى هذا فيكون المنفي هو الإيمان الشرعي أعني القلبي ، جمعا بين صحة النفي والاثبات في هذه الآيات . لا يقال : هذا الإطلاق مجاز ، وإلا لزم الاشتراك ، والمجاز خير منه . لأنا نقول : هو من قبيل المشترك المعنوي لا اللفظي ، ومعناه قبول الخبر
--> ( 1 ) سورة المائدة : 41 ، والآية في النسخ والصحيح : " من الذين قالوا آمنا بأفواهم ولم تؤمن قلوبهم " . ( 2 ) سورة البقرة : 8 .